العدد رقم 118
تصدر في لندن

تراجـــــم من المــوقع






نسيت كلمة المرور؟

أكثر المواضيع قراءة


    Warning: Invalid argument supplied for foreach() in /hermes/bosoraweb112/b881/glo.alghoraba/modules/mod_mostread.php on line 109

جديد الموقع


    Warning: Invalid argument supplied for foreach() in /hermes/bosoraweb112/b881/glo.alghoraba/modules/mod_latestnews.php on line 113

هكذا علمتني الحياة

عدد المسجلين: 8
عدد المواد: 916
روابط لمواقع: 1
عدد الزيارات: 1730054
الرئيسة arrow عالم الكتب arrow الإخوان المسلمون في سوريّة مذكّرات وذكريات
الإخوان المسلمون في سوريّة مذكّرات وذكريات طباعة بريد الكتروني
بقلم: محمد علي شاهين
الاثنين 1 كانون الثاني 2007
 ما قبل التأسيس وحتى عام 1954 
 
للداعية الإسلامي الكبير عدنان سعد الدين

الأستاذ: عدنان سعد الدين
الأستاذ: عدنان سعد الدين
تلفّت السوريّون من حولهم فإذا بالخلافة الإسلاميّة رمز عزتهم ووحدتهم وقوتهم قد دمّرت، وإذا بطلائع الغزو الفرنسي تقتحم بوابات مدنهم، وكاد مشروع ضم سوريا إلى التراب الفرنسي أن يكون قاب قوسين أو أدنى، وإذا بالأفكار الوافدة الدخيلة تجتاح أنديتهم الثقافيّة، وإذا بالأطماع الصهيونيّة تحدق بهم من كل مكان.

هنالك تداعى الأخيار والصالحون لتأسيس الجمعيات الإسلاميّة في كافّة المدن السوريّة لتشكيل وعي السوريين المبكّر تجاه الأخطار، والقيام بخدمات تعليميّة وأعمال خيريّة.

وإذا بصدى دعوة الإمام المجدد حسن البنّا تتردّد في جنبات الشام وقد حملت مشروع الصحوة والنهضة والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والحثّ على الوحدة ونبذ الفرقة، وصيانة الاستقلال، والتمسّك بمواريث الإسلام.

عندئذ اجتازت الصيحة حدود مصر مثل غيمة تحمل الخير والنماء فتعدت حدود الدولة التي نشأت فيها إلى الديار الشاميّة فكان هذا الخير العميم.

وكانت حركة جامعة رائدة، أخذت على عاتقها تكوين جيل جديد يفهم الإسلام فهماً صحيحاً ويعمل بتعاليمه، ومزجت الوطنيّة بروح الدين واستمدت من الدين أسمى معاني الوطنيّة، وامتازت عمن سواها من الدعوات بالبعد عن مواطن الخلاف الفقهي، والبعد عن هيمنة الكبراء والأعيان، والبعد عن الهيئات والأحزاب، والتدرّج في الخطوات، وإيثار الناحية العمليّة على الدعاية، وإقبال الشباب على الدعوة.

وكان لمؤسّس الجماعة ومن حمل الراية بعده في نصرة قضايا المسلمين والدفاع عنها أعمال مبرورة، ودخل الإخوان فلسطين قبل دخول القوات النظاميّة العربيّة، وكان منهم الشهداء والصالحون.

ثم أتى على الناس زمان صودرت فيه الحريات وقمعت فيه الكلمة، واتيحت لخصوم الحركات الإسلاميّة أن يزوّروا تاريخ الهيئات الإسلاميّة ويصادروه، فشوّهوا صورة هذه الحركة المباركة بما يخدم مصالحهم، وجهروا بالسوء من القول، وحاولوا محو ذاكرتنا العصيّة على النسيان.

وبسبب هواجس الأنظمة، من زحف الإسلاميين نحو السلطة بالطرق الشرعيّة، وسوء ظنّهم بهم جرى إنكار دور الإسلاميين الوطني في معارك الاستقلال، وتحرير الأوطان، وردّ العدوان، والحفاظ على الهويّة القوميّة، واللغة العربيّة، وبعث الهويّة الإسلاميّة، وأنكر ذوي الأغراض المشبوهة دورهم الريادي في فضح الفساد، وتعرية الانحراف، ولجم الاستبداد، وتأسيس المشاريع والمؤسّسات لمواجهة التخلّف الثقافي والحرمان الاقتصادي والظلم الاجتماعي والفساد الأخلاقي ومحاربة الجهل والفقر.

وهنا تبرز أهميّة المؤرّخ الصادق في سبر أغوار الجماعات والأحزاب الإسلاميّة والتأريخ لها ومتابعة مسيرتها من التأسيس إلى قمّة العطاء، أو إلى القمع، وإزالة ما لحق بتاريخها من تزييف وتشويه في زمن غربة الإسلام.

وتتجلّى أهميّة العطاء الفكري للداعية الإسلامي عدنان سعد الدين وهو يخط بيراعه الجميل المجلّد الأوّل من مذكراته وذكرياته عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريّة، بما عرف عنه من أصالة في البحث، ودقّة في التعبير، وسبر للقضايا التاريخيّة بعمق وموضوعيّة.  

مهّد المؤلّف لكتابه بالحديث عن سيرة الإمام المؤسّس حسن البنّا وعرّف بحركته الإصلاحيّة، وتحدّث عن نجباء تلاميذه الذين حملوا مبادئ الجماعة من مصر إلى سوريّة وفي مقدمتهم الشيخ مصطفى السباعي والشيخ محمد الحامد، وعن طلائع التغريب والغزو الفكري الذي اجتاح البلاد كالوباء، وكيف تجلت مقاومة هذا الغزو بتشكيل عدد من الجمعيّات الدينيّة في بعض المدن السوريّة، ونوّه بدور علماء الشام في كبح جماح هذا الوباء، ونشر العلم الشرعي، وتربية الشباب على العزّة والإباء، ورفع راية الكفاح ضدّ المستعمر وأذنابه.

ثم تحدّث بإسهاب عن الجمعيّات التي شكّلت النواة التي انبثقت عنها الجماعة فيما بعد ومهّدت لظهور الإخوان المسلمين كحركة جامعة في المدن السوريّة، وعن أبرز رجالاتها وهي: جمعيّة الشبّان المسلمين في دمشق، وجمعيّة دار الأرقم في حلب، وجمعيّة الإخوان المسلمين في حماه، والرابطة الدينيّة في حمص، وجمعيّة الأنصار في دير الزور، وجمعيّة الشبّان المسلمين في اللاذقيّة.

وتحدّث عن اللقاءات والحوارات والمؤتمرات الخمسة للجمعيّات الإسلاميّة في سوريّة التي مهّدت لقيام جماعة الإخوان المسلمين في سوريا عام 1945 على أجمع الأقوال، وعن فرعي الجماعة في لبنان والأردن، وانتخاب السباعي مراقباً عاماً للجماعة.

وذكر أهداف الجماعة كما حددها المؤتمر السادس الذي انعقد في بلدة يبرود عام 1946 وهي:

تحرير الأمّة وتوحيدها وحفظ عقيدتها، وبناء نظمها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة على أساس الإسلام.

ومحاربة الاستعمار بكافّة أشكاله.

والتعاون بين أبناء الأمّة كلّها لا فرق بين مذهب ومذهب، وينكرون كلّ محاولة ترمي إلى تفريق الصفوف، ويعتبرونها حركة هدّامة تخدم مآرب الاستعمار.

وإصلاح جهاز الدولة، والعناية بالتعليم والأخلاق والاقتصاد والزراعة والصناعة.

وانتشرت مبادئ الإخوان المسلمين في جميع المحافظات السوريّة، ولم يدخل عام 1946 حتى تمّ إنشاء أكثر من عشرين مركزاً وعشرين مؤسّسة في المحافظات، وزاد عدد المنتسبين للجماعة في سوريا على مائة ألف منتسب في السنوات الأولى.

ويتحدث الأستاذ سعد الدين عن ذكرياته فيقول: تعرّفت على جماعة الإخوان المسلمين في جامع السلطان عام 1945 فملأت علي حياتي، وتوثقت صلتي بأعضائها، وكنت حريصاً على حضور أحاديث الجمعة وسماع كلمة الضيوف الوافدين على المركز بحماه.

أضحت الجماعة كلّ شيئ في حياتي، وغلبت الصلة بها والاندماج في مؤسّساتها والمشاركة في أنشطتها على أفكاري ومشاعري، فعوّضتني عن اليتم الذي ذقت مرارته.

لقد كان انخراطنا في الجماعة بمثابة السفينة التي عصمنا الله بها من العواصف الهوج والأمواج العاتية.

قسم المؤلّف المرحلة التاريخيّة التي تناولها في هذا المجلد والممتدّة من مرحلة ما قبل التأسيس حتى عام 1954 إلى مرحلتين رئيسيّتين:

الأولى: الأخوان المسلمون منذ عام التأسيس وحتى عام 1949.

استطاعت الجماعة في هذه المرحلة بمناهجها التربويّة وبرامجها التوجيهيّة المبدعة كالأسرة والكتيبة ومنبر الجمعة ونشر الكتاب الإسلامي، وإنشاء المكتبات، وإحياء المناسبات الدينيّة والتاريخيّة والوطنيّة أن تكسر موجات التغريب والإلحاد والانحلال والأفكار المنحرفة، وظهر جيل من الدعاة ومن المناصرين، وتوسّع انتشار الجماعة في أوساط الطلاب والمثقفين، وأثمرت الجهود عن تيار إسلامي عارم ؛ وتمثّل النشاط الإعلامي للجماعة بصدور جريدة المنار السياسيّة اليوميّة عام 1946.

وقرّر الإخوان خوض انتخابات عام 1947 بمباركة الإمام حسن البنا بأربعة مرشحين فاز منهم: الشيخ معروف الدواليبي عن حلب، ومحمود الشقفة عن حماه، ومحمد المبارك عن دمشق، وأمام صعود الإسلاميين قام الزعيم حسني الزعيم بالانقلاب الأوّل مدعوماً ببقايا ضباط جيش الشرق الفرنسي وبتخطيط أمريكي، ثم قام العقيد سامي الحناوي بالانقلاب الثاني وأجرى انتخابات نيابيّة فاز الإخوان فيها بعشرة مقاعد، وشكّلوا مع حلفائهم كتلة برلمانيّة كان لها تأثير كبيرعلى مجرى الأحداث الداخليةً والخارجيةً.

وبسطوا نفوذهم على النقابات العماليّة والحرفيّة وتبنوا مطالبها في المجلس النيابي، ودافعوا عن حقوق الفلاحين ورفضوا استغلال كبار الملاكين لهذه الطبقة المحرومة، ودعوا الحكومة لتخفيض أسعار الخبز ورفع الضرائب عن الفقراء، ورفضوا تأجيج الصراع الطبقي بين شرائح المجتمع وكانوا أبعد الناس عن استغلال الفقراء والمحرومين.

وعني الإخوان بالتعليم وحالوا دون توسّع الزحف التبشيري بإنشاء عدد من المعاهد والمدارس في المدن السوريّة، واستعانوا بعدد من المربين والمدرّسين الأكفياء، وهيّأ الإخوان الفرص للالتحاق بمدارسهم الليليّة.

وكان للإخوان من المشاريع الاستعماريّة والأحلاف الاستعماريّة موقف مشرّف لا يستطيع أن ينكره باحث منصف.

أمّا القضيّة الفلسطينيّة فقد كانت القضيّة المركزيّة للجماعة وشغلها الشاغل، لما لفلسطين من المكانة والقداسة في قلوب المؤمنين، وكان للإخوان شرف الدفاع عن عروبة فلسطين وحشد المتطوّعين، وبذل الأرواح والمهج دفاعاً عنها، وشحذ الهمم وتحريض المؤمنين على القتال ودبّج كتابهم المقالات ونظم شعراؤه القصائد الجياد، واعتلوا خشبات المنابر، وقادوا المظاهرات المندّدة بجرائم صهيون، وشارك قادتهم في المؤتمرات الشعبيّة، ورفضوا مشروع تقسيم فلسطين، واستطاع المؤلّف وقد عايش القضيّة الفلسطينيّة منذ بداياتها، أن ينقل إلينا من ذاكرته المتوقّدة ومن المراجع المعتبرة صورة مشرقة لنضال الإخوان وتضحياتهم عبر مراحل تطوّر القضيّة، وأن يدمغ من فقدوا نعمة الانصاف بشهادة عدد من المؤرّخين.      

الثانية: الإخوان والانقلابات العسكريّة من عام 1949 وحتى عام 1954.

بدأت الإدارة الأمريكيّة تتسلّم زمام القيادة العالميّة من الإمبراطوريّتين العجوزتين، مستغلّة الأخطاء الفادحة التي سقطت فيهما بريطانيا وفرنسا، متجاوزة الاعتبارات الشرعيّة والقانونيّة والقواعد الأخلاقيّة، ولم تتردّد في إزاحة وتبديل الحكومات العاجزة ولو كانت تدور في فلك النفوذ الأمريكي، وهنا يؤكّد الكاتب على مقولة وصف أمريكا بالانتهازيّة والميكيافيليّة في تعاملها مع دول العالم الثالث عامّة وسوريّة خاصّة.

وكان انقلاب حسني الزعيم في 30/3/1949 صناعة أمريكيّة خالصة، ولم يكن هذا الانقلابي المغامر الذي وضع السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة في قبضته سوى صبي من صبيان الأمريكان، وخاصّة عندما وافق على الاتفاقيّة مع شركة التابلاين الأمريكيّة، ومنحها امتياز تمرير خط نقل البترول عبر الأراضي السوريّة إلى لبنان، واتفاقيّة وصل عبدان والكويت بميناء طرطوس، وإنشاء مصفاة طرطوس لتكرير النفط لصالح الشركات البريطانيّة، وصادق على الاتفاق المالي مع فرنسا، وتخلى عن مناطق مجرّدة من السلاح لحساب إسرائيل، ورحّب بمشروع مارشال والنقطة الرابعة، وصادر أموال الوقف، وألغى مجلة الأحكام العدليّة، وهدم الحياة البرلمانيّة، واندفعت الأحزاب العلمانيّة في تأييده فأيّده أنطون سعادة في مذكرته المرفوعة بتاريخ 10/4/1949 وجالت حماه مظاهرات قادها أنصار الحوراني تأييداً لانقلابه.

أمّا موقف الإخوان المسلمين من الانقلاب فقد حدّدوه في مذكرة رفعوها إلى الزعيم في 9/4/1949 طالبوا فيها العمل بمبدأ الشورى، والإسراع بعودة الحياة الدستوريّة، وتطهير أجهزة الدولة من الفاسدين، وتقوية الإيمان وبثّ الأخلاق، وتعبئة الأمّة لمواجهة الأخطار، والاهتمام بالجيش وتحصينه بالمثل العليا، وتوجيه الثقافة بما يتوافق ومواريث الأمّة، وتطوير نظام اقتصادي عادل.

وخذل الزعيم الجميع بسبب مزاجه المتقلّب ورعونته ونرجسيّته، وسلّم أنطون سعادة لقتلته، وعزم على إبرام صلح مع اليهود، واستهتر بمشاعر المتديّنين والعلماء ممّا عجل في نهايته.

وجاء الانقلاب الثاني في 14/8/1949 بقيادة سامي الحناوي على أيدي مجموعة مغامرة أخرى متسلّطة من الضباط استمرأت العبث بالحياة السياسيّة، وجرى تشكيل مجلس حربي شارك فيه عدد من الضباط المحترفين من كافّة الطوائف، وجرت انتخابات لجمعيّة تأسيسيّة في 15/10/1949 فما هو موقف الإخوان المسلمين من هذه الانتخابات التي شاركت فيها معظم القوى السياسيّة السوريّة ؟

يقول الأستاذ سعد الدين: شكّل الإخوان مع بعض الجماعات الإسلاميّة جبهة موحّدة خاضت الانتخابات تحت اسم: الجبهة الاشتراكيّة الإسلاميّة، وأعلنت في بيانها الانتخابي أنّها سوف تعمل لتحقيق الاشتراكيّة ـ العدالة الاجتماعيّة ـ التي دعا إليها الإسلام، وإلى توثيق الروابط بين الدول العربيّة، وحماية استقلالها ضدّ المؤامرات الإمبرياليّة.

وضمّت قوائم الإخوان في دمشق وبقيّة المحافظات عدداً من الشخصيّات البارزة المشهود لها بالوطنيّة من المسلمين والنصارى.

وفازت قائمة الجبهة في دمشق فوزاً ساحقاً، وكانت النتائج خارج العاصمة مشجّعة، وفشل عفلق وبكداش، وتشكّلت حكومة برئاسة خالد العظم شارك الإخوان فيها بحقيبة الأشغال العامّة والمواصلات التي أسندت لمحمد المبارك، الذي كان مرفأ اللاذقيّة في مقدمة إنجازاته، ومن الجدير بالذكر أنّ المبارك تقلّد أربع وزارات كان فيها مثلاً طيّباً في تمثيل الإخوان المسلمين في البرلمان من حيث الأداء والإبداع والتصدي للفساد والانحراف والدفاع عن حقوق العمال.  

وينقل المؤلّف شهادة فارس الخوري التاريخيّة المنشورة في كتاب محمد الفرحاني، وهي رسالة النصيحة الموجّهة من الخوري إلى عبد الحكيم عامر يقول فيها: (من أجل مكافحة الأساليب الهدّامة أعتقد أنّ وجود الإخوان المسلمين في الحكم ضمان لتحقيق هذه النتائج، وتأمين الشعب على سلامة عقائده، ومن الخطأ القول: يجب على الإخوان الابتعاد عن المطالبة بالحكم، بل يجب أن نرجوهم ونلح في الرجاء ليقبلوا الاشتراك في الحكم، ويردف الخوري قائلاً: كنت كلّما دعيت إلى تأليف وزارة أسعى جهد طاقتي لإدخال واحد من الإخوان المسلمين في الحكم، ويمكن سؤال محمد المبارك كم رجوته وألحفت في الرجاء كي يقبل الاشتراك معي في الحكم بوزارتي الأخيرة عام 1954) ؛ وهذه شهادة يعتزّ بها الإخوان.

ثم يتحدّث المؤلّف عن أبرز المعارك السياسيّة والفكريّة التي خاضها الإخوان في سوريّة للحفاظ على الهويّة العربيّة الإسلاميّة ضدّ المتغرّبين والعلمانيين من فلول اليسار السوري، وفي مقدمة هذه المعارك معركة الدستور التي احتدم الصراع فيها حول النص في صلب الدستور السوري على أنّ الإسلام دين الدولة، ويثني على الجهود المباركة التي بذلها الشيخ مصطفى السباعي داخل البرلمان وخارجه لحشد القوى الخيّرة إلى جانب هذا النص، ثم أورد لمحات موجزة عن ردوده على القوميين والعلمانيين واليساريين، وأذاع بياناً على الرأي العام السوري في أخطر صراع على هويّة الأمّة وشخصيتها وانتمائها.

وانتهت المعركة بأن يتضمّن الدستور السوري ما يلي: لمّا كانت غالبيّة الشعب تدين بالإسلام فإنّ الدولة تعلن استمساكها بالإسلام ومثله العليا

وتضمّن الدستور: دين رئيس الدولة الإسلام ؛ والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع ؛ وحريّة الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم الأديان السماويّة وتكفل حريّة القيام بجميع شعائرها على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ؛ والأحوال الشخصيّة للطوائف الدينيّة مصونة ومرعيّة.

ونصّت الفقرة الأولى من المادة الثامنة والعشرين على أنّ تعليم الدين إلزامي في جميع مراحل التعليم، ونصّت الفقرة الثانية على ان هدف التعليم إنشاء جيل قوي بجسمه وتفكيره، مؤمن بالله، متحل بالأخلاق الفاضلة، معتز بالتراث العربي، ويحظّر كلّ تعليم ينافي هذه الأهداف.   

ويثمّن المؤلّف دور الإخوان في هذه المعركة، ويثني على المراقب العام للجماعة الشيخ مصطفى السباعي بسبب انجازاته في مجال التشريع.

ثم يصف الانقلابات العسكريّة التي حلّت بالبلاد بأنّها كارثة عطّلت مسيرة سوريّة ومزّقت صفّها وعرقلت تطورها وازدهارها، وصرفت الجيش عن واجبه الأساسي في مواجهة العدو الصهيوني.

وينتقل بلطف إلى الانقلاب العسكري الثالث في 18/12/1949 الذي تولاه انقلابي طموح يحلم بالسلطة والمجد، تستّر خلف العقيد فوزي سلو، وأخذ يلعب من خلف الستار لعبة الحامي للنظام، هو العقيد أديب الشيشكلي، حيث تعاقبت ثلاث وزارات على السلطة وسط أزمة حكوميّة حادّة.

ثم أسفر عن وجهه وأصدر البيان رقم واحد صبيحة الانقلاب الرابع في 29/11/1951 باسم قائد الانقلاب العقيد أديب الشيشكلي، وفرض على البلاد ديكتاتوريّة صارمة، وكان أكرم الحوراني كما وصفته جريدة الحياة: إنّ أكرم الحوراني في كلّ انقلاب، ومع كل انقلاب، وضدّ كلّ انقلاب.

وأصدر الشيشكلي قراراً بإغلاق مراكز الإخوان المسلمين في سوريّة في 17/1/1952 وزجّ بقادتها في السجون، وقمع المظاهرت الطلابيّة بقسوة، وأصدر مرسوماً حظر بموجبه على الطلاب ممارسة أي نشاط سياسي، ثم أصدر مرسوماً حلّ بموجبه جميع الأحزاب السياسيّة، تمهيداً لقيام الحزب الواحد، واستفتى الجمهور على دستور يفرض النظام الرئاسي، وادّعى أنّه حصل على تفويض من الشعب لمنصب الرئاسة، ثم أجرى انتخابات برلمانيّة شارك فيها 20% من الناخبين، ونشر المؤلّف نصّ حوار نشره الشيخ محمد المجذوب في كتابه علماء ومفكرون عرفتهم، بين السباعي والشيشكلي.

وانتهى نظام الشيشكلي كما ينتهي كل نظام متسلّط فاسد، واستسلم الشيشكلي لقادة التمرّد دون مقاومة في 24/2/1954 وكان الإخوان في طليعة القوى السياسيّة التي أيّدت الانقلاب، ودخل الرئيس هاشم الأتاسي دمشق، واستأنف سلطاته الدستوريّة كرئيس للجمهوريّة.

يتحدّث المؤلّف عن تعاظم أمر الحركة الشيوعيّة في سوريّة، والجدل الذي أثارته الحركة في الجمعيّة التأسيسيّة حول تحديد الملكيّة الزراعيّة، وعن مشروع الإخوان لتحديد الملكيّة عن طريق الإرث الشرعي، دون حدوث صراع طبقي أو اضطراب أو فوضى، واحتدم الجدل بين اليسار السوري وبين كبار الملاك، ولم يتوقف هذا الجدل حتى وحدة مصر وسوريّة، فصدر قانون الإصلاح الزراعي ونزع ملكيّة الأراضي الزائدة عن المساحات التي حددها القانون لصالح الفلاحين، وطبّق القانون بحقد وعاشت سوريّة بسبب هذا القانون فترة مقت وعداء بين المواطنين، وتراجع الانتاج الزراعي، ويتحسّر المؤلّف على مشروع الإخوان الذي لو طبّق لتجنبت سوريّة قوانين عبد الناصر وما رافقها من أزمات اجتماعيّة واقتصاديّة.

ولم يغفل الكاتب دور الإخوان في تفعيل المؤتمرات الإسلاميّة، وينشر كلمة الدكتور السباعي في المؤتمر الإسلامي المسيحي في بلدة بحمدون بلبنان في نيسان عام 1954 كوثيقة تاريخيّة.

ويسجّل موقف الإخوان في سوريّة المعارض للأحلاف الأجنبيّة وخاصّة مشروع الدفاع المشترك عام 1951 وتبنيهم سياسة الحياد وعدم الانحياز.

ويستعرض المؤلّف في مذكراته الغنيّة ذكريات طالب في دار المعلمين بحلب، ومعلم في ريف حماه، ومبتعث بكليّة آداب جامعة فؤاد الأوّل بالقاهرة، فيصف لنا أحاديث الثلاثاء بالمركز العام للإخوان ولقائه بالرعيل الأوّل من قيادات الإخوان وضيوف المركز العام من زعماء العالم الإسلامي، ويتحدث عن الفترة التي سبقت قيام الثورة، وعن دور الإخوان في نجاح الثورة، وعن حادث المنشيّة الذي اتخذه عبد الناصر ذريعة للقضاء على كبرى الحركات الإسلاميّة، وعن القمع الذي تعرّض له الإخوان في مصر والذي قدّر بمئة ألف ضحيّة.

وعرّج المؤلّف على محاولة عبد الناصر تطويق الإخوان في سوريّة قبل الوحدة، باستخدام نجيب جويفل الذي كان يقف خلف أكبر انشقاق في تاريخ الإخوان في سوريّة لهذه المهمّة.

والكاتب رغم ما أصابه من حزن وألم بسبب ما آلت إليه أحوال الإخوان في مصر من ظلم واضطهاد متفائل بمستقبل باهر للإسلام.

مجلد كبير في خمسمائة صفحة من القطع العادي في غلاف جذّاب، صدر عن دار عمّار التي عوّدتنا دائماً طبع كل جديد ومفيد، دوّنها الأستاذ عدنان سعد الدين من الذاكرة ومن الوثائق الشفهيّة والمصادر المعتبرة، شهادة تاريخيّة صادقة، وقطعة من تاريخ سوريّة السياسي، وحصيلة تجارب في ميدان العمل الدعوي لا يستغني عنها داعية، وقطعة أدبيّة يشعر قارئها بصدق الراوي وصحّة الرواية، وهي بحق من أجمل ما قرأت، ولو أنّ المؤلّف أطال الله عمره نشر مذكراته في كتاب منفصل لكانت رواية تاريخيّة تستحق الإخراج.   

متّع الله أخانا الأستاذ عدنان سعد الدين بالصحّة والعافية ووفّقه لنشر بقيّة مذكراته وذكرياته عن جماعة الإخوان المسلمين في سوريّة، وجعل هذا العمل في صحيفة أعماله.
 
< السابق   التالي >