حمل على طغاة الأمّة ومستبديها وحمّلهم مسؤوليّة الانتكاسات والهزائم التي أصيبت بها الأمّة

الشاعر عمر بهاء الدين الأميري

(1337/1918 _ 1413/1993)

بقلم: محمد علي شاهين

 

شاعر المحاريب، شاعر الإنسانيّة المؤمنة، عميد الشعر الإسلامي المعاصر، شاعر مؤمن ملتزم، غزير الإنتاج، ومفكر إسلامي فذ، مهتم بالحضارة الإسلاميّة.

ولد في مدينة حلب، ونشأ في أسرة متديّنة، وكان أبوه أحد وجهاء المدينة وفضلائها .

توهّجت مشاعره الوجدانيّة وتأجّجت وهو طفل في مرابع الشهباء الجميلة بشكل عفوي طفولي، فانبثق عن ذلك ما كان يحسبه شعراً.  

سافر إلى فرنسا بعد إنهائه المرحلة الثانويّة، والتحق بجامعة السوربون ليدرس الأدب وفقه اللغة، فلما عاد إلى سوريّة، اشتغل بالتدريس والمحاماة بعد حصوله على شهادة الحقوق من الجامعة السوريّة بدمشق .

نظم الشعر بعفويّة وتلقائيّة، متأثّراً بمدرسة القرآن الكريم، وإشعاع الرسول الأمين (ص)، وعظماء الأمّة، ومن أحب من الشعراء .

امتاز شعره بالجرأة والصراحة، ونقد الأوضاع الشاذّة، وحمل على طغاة الأمّة ومستبديها، وحمّلهم مسؤوليّة الانتكاسات والهزائم التي أصيبت بها الأمّة، كما امتاز بالحس الوجداني المرهف، واتسم بالعمق والأصالة، والسموّ الروحي، واهتم بقضايا أمّته ومشكلاتها، وكان يرى أن الإسلام وحده طريق الخلاص بعد سقوط كل الشعارات والأيديولوجيات والوجوه المستعارة .

تأثر بفكر الإمام الشهيد حسن البنا، وطريقته الإصلاحيّة، وانتسب إلى (جماعة الإخوان المسلمين) وتولّى مناصب قياديّة فيها، وهي لا تزال في مرحلة التأسيس، واختير عضواً في مكتب الإرشاد للجماعة سنة 1367/1948 .

وكان يثني على هذه الجماعة وعلى مؤسّسها، ويرى أنها الحركة الإسلاميّة التي تتوافر فيها المواصفات المطلوبة للنهوض بالأمّة الإسلاميّة من كبوتها، وتحرّرها من ربقة الاستعمار .

وكان متفائلاً بمستقبل هذه الحركة حيث يقول: إن المستقبل لهذه الحركة الإسلاميّة إذا توفّر لها الفهم الصحيح للإسلام، والقيادة الحكيمة الرشيدة، والعاملون المخلصون .

وكان على صلة طيّبة بالرئيس السوري شكري القوتلي .

عمل سفيراً لبلاده في دولة باكستان الإسلاميّة عام 1369/1950 ثم سفيراً في المملكة العربيّة السعوديّة عام 1373/1954 .

وكان قد تطوع في جيش الإنقاذ، سنة 1367/1948 مقاتلاً في كتيبة الأخوان المسلمين السوريّين، وحمل مطالب الأخوان إلى حكومة جميل المدفعي في بغداد، التي تضمنت زيادة عدد القوات العراقيّة المشاركة في حرب فلسطين، وضرورة التحرك خارج حدود التقسيم، وإقصاء اليهود من الجبهة الوطنيّة لتحرير فلسطين التي تشكّلت في بغداد . وعايش القضيّة الفلسطينيّة، واكتوى بنارها، واتصل بمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، وكان يلتقي به في لبنان، نيابة عن المجاهدين السوريّين، وكانت القضيّة الفلسطينيّة هاجسه اليومي، فجّرت أغواره الشعريّة، فجاءت قصائده الفلسطينية متأججة بالعواطف، حيث سجل أحداثها وملاحمها، على شكل مجاميع شعرية منها: (ملحمة الجهاد) 1388/1968 ، و(من وحي فلسطين)1390/1971 ، و(ملحمة النصر) 1394/1974 ، و(الزحف المقدس) و(حجارة من سجّيل) و(الأقصى وفتح القمة) و(الهزيمة والفجر) .

تفاعل مع الثورة الجزائريّة، وبناء باكستان، والمسيرة المغربيّة الخضراء، وعبّر عن المشاعر الإنسانيّة، وهموم المسلمين والمعذّبين .

وكان يدعو إلى إسقاط الحكومات المهزومة، وإلى رفع راية الثورة على الأنظمة المتخاذلة ، ويتناول فساد الإدارة الحكوميّة في سوريّة، وسيطرة الطبقيّة والتخلّف، في افتتاحيّات جريدة (المنار) التي  كان يحرّر بها سنة 1367/1948

دعي إلى المغرب لتدريس الحضارة الإسلاميّة بكليّة الآداب بجامعة محمد الخامس في مدينة فاس، ثم أستاذاً لكرسي الإسلام والتيارات المعاصرة، في دار الحديث الحسنيّة، وقسم الدراسات الإسلاميّة والعليا في جامعة الرباط، والقرويّين سنة 1386/1966 .

وصف المعركة الحاليّة بأنها معركة تحوّل الخط الحضاري الإنساني، من السامريّة اليهوديّة، إلى الربانيّة الإسلاميّة، واتّساع هذه المعركة في الزمان والمكان والإنسان، يوضّح لنا ويعلل لنا سبب شدّتها وضراوتها، فالمقصد الأعلى والهدف الأسمى ليسا من الأمور اليسيرة السهلة المنال، ولكنهما تحقيق أمر الله، وإقامته في العالمين .

وتأمّل ساحة العالم الإسلامي بتفاؤل، فلمس تحرّك الإنسان المسلم وتحرّقه إلى أن يستعيد مكانه، ويستزيد من معطيات دينه، ويستفيد من حصيلة العلوم التي وصلت إليها البشرية ورأى أن يقظة هذا الإنسان المسلم، وتحركه نحو استعادة شخصيته، واسترجاع ذاتيّته وتصميمه الجازم، على أن يمارس ذاته المسلمة، هو نقطة التحوّل الكبرى .

والحضارة عنده تحقيق غرض الوجود البشري في إعمار الأرض وفق نواميس الله بأسمى شكل تتجلى فيه إنسانيّة الإنسان الخليفة .

أما الفقه الحضاري فقد جعل له عناصر أربعة هي: الاستيعاب الحضاري، والنظر الحضاري، والإدراك الحضاري، والسلوك الحضاري، أما الحضارة الغربيّة فقد أتى عليها من القواعد نقداً وتعريةً وإبرازاً، لتعارضها مع الحضارة الإسلاميّة جمالياً وإنسانياً، بقلم عالم متمكّن من اللغة الفرنسيّة، ومعرفة عميقة بالمجتمع الفرنسي، وإحاطة بمعطيات الحضارة الغربيّة الماديّة .

وأكّد على عنصر الحوار بين الحضارات المعاصرة .

واستمدّ شعره قيمته من قيمة الإنسان المسلم، ورأى الناقد مصطفى تاج الدين أن شعر الأميري يمتاز بارتفاع لغته الشعريّة وتفوّقها دون تقعر، وبتعدد المضامين الشعريّة وتنوّعها، وبذاتيّة الوعي، وذاتيّة الانتماء، والرويّة والارتجال .  

نظم عشرات الدواوين الشعريّة منها : (ألوان طيف) 1385/1965 و(الهزيمة والفجر) 1388 /1968 و(مع الله) 1392/1972 و(أشواق وإشراق) 1393/1973 وله: ديوان (من وحي المهرجان) 1395/1975 ، و(أذان القرآن) 1405/1985 ، و(نجاوى محمديّة) و(الخماسيّات) و(شموع ودموع) و(قلب ورب) . 

ونظم في الشعر العاطفي ديوان (أب) 1394/1974 وهو الديوان الذي قرّظه العقاد في إحدى ندواته فقال: لو كان للأدب العالمي ديوان في جزء واحد لكانت هذه القصيدة في طليعته ؛ وديوان (أمي) 1398/1978.

وجد أن مؤامرة كسر الموازين هي من أخطر ما واجه ويواجه الوجود الإنساني، ومن أبرز أسباب إخفاق الحضارة الماديّة المعاصرة، وضياع إنسانيتها في المتاهات، وهذه المؤامرة تشمل كل الساحات الفكريّة والاجتماعيّة .

وحول نظريّة الشعر قال: أنا قد لا أعطي شرف صنعة الشعر لكثير من ما ينظم بالأسلوب القديم عن قافية ووزن لأن الكلام لا يرتفع بالإنسان من مستوى الإنسان العادي، ولا يخرج من كلام العامّة، وقد أرتقي بكلام غير موزون إلى مستوى الإبداع الفني، لتألق جوهره، وصدق انقداحه من مشاعر صاحبه، وتأديته لرسالة الأدب .

وتفرّد بمقدماته النثريّة لكثير من قصائده.

وكتب أبو الحسن الندوي في مقدمته لرياحين الجنة: وجدت في شعرك لذّة ومتعة وسعادة، ما لا أجده في غيره من الشعر الجديد، وهو ـ والحق يقال ـ نفحات من الإيمان، وقبسات من نور القرآن، وصدق العاطفة، ورقّة الشعور، وتصوّر دقيق لهواجس النفس ، وخلجات الفكر، وكم تمنيت أن كنت معك في دعائك، وفي لحظات ابتهالاتك وأنت: 

مع الله في سبحات الفكر

 

مع الله في لمحات البصر

مع الله في زفرات الحشا

 

مع الله في نبضات البهر

مع الله في رعشات الهوى

 

مع الله في الخلجات الأخر

وقالوا يوم نعيه: إنه يستحق صفة شاعر الإنسانيّة المؤمنّة، وأمير شعراء الإسلاميّين في النصف الثاني من القرن العشرين قاطبة، بعد محمد إقبال أمير الشعراء في النصف الأول .

وأنّه الشاعر النموذجي الذي تتوافر فيه كل خصائص الشعر الإسلامي، لأنّه استطاع أن ينطلق بالنفس والروح والخيال في أعماق الذات البشريّة، وأعماق الشخصيّة المسلمة، وأعماق ذاته في المناجات والروحانيّات، واستطاع أن يمزج الحقيقة الإسلاميّة بالجمال الوجداني، والانفعال الصادق في عجينة واحدة .

وله مؤلّفات كثيرة في الحضارة الإسلاميّة منها: (الإسلام في المعترك الحضاري) و(في الفقه الحضاري) و(الخصائص الحضاريّة في الإسلام) و(الإسلام في ضوء الفقه الحضاري) و(وسطيّة الإسلام وأمته في الفقه الحضاري) .

نقل من المغرب إلى الرياض للعلاج على نفقة الملك فهد، فتوفي بها، ونقل إلى المدينة المنورة، فدفن بالبقيع .

وكتب في سيرته محمد علي الهاشمي (عمر بهاء الدين الأميري شاعر الأبوّة الحانية، والنبوة البارّة، والفن الأصيل) وزينب بيره جيكلي (المرأة في شعر عمر بهاء الأميري) وعبد الرحمن حوطش (نظرات في شعر الأميري من خلال ديوانه: ألوان طيف) وخالد سعود الحليبي (عمر بهاء الأميري ـ حياته وشعره) .   

__________________________________________________________________

(1) شعراء الدعوة الإسلامية ج2 ص223 جدع وجرار . (2) مجلة الفيصل ع18 لقاء مع الأميري . (3) المجلة العربية ع12 مقال الشيتي . (4) المسلمون الدولية ع243 ص5 مقال المشهداني .        (5) الحاج أمين الحسيني رائد جهاد وبطل قضية ص19 حسني أدهم جرار . (6) تطور الصحافة السورية في مائة عام ج2 ص70 و181 جوزيف الياس . (7) دواوين الشعر الإسلامي المعاصر ص176 أحمد الجدع . (8) مجلة المسلمون الدولية ع 14 س1402/1982. حوار صريح حول واقعنا المعاصر مع المفكر عمر بهاء الدين الأميري ، لعبد القادر الإدريسي. (9) مجلة الفيصل ع 197 س 17 ذو القعدة 1413/1993 مقال: نظرات في فكر الأميري وشعره ، لمصطفى تاج الدين . (10) مجلة الأدب الإسلامي م1 ع 4 ربيع ثاني 1415 مقال: فصل من عالم الأميري  لسعيد ساجد الكرواني. (11) المجلة العربية ع 129 س 12 شوال 1408/ حزيران 1988 ، الشاعر عمر بهاء الأميري في حوار مع المجلة العربية ، حاوره: سمير خوجة بكة . (12) من أعلام الحركة والدعوة الإسلاميّة المعاصرة ص 171 عبد الله العقيل .

أعلام الصحوة ............................................... الشخصيّة 34 محمد علي شاهين (مخطوط).

 

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - --

الرئيسة / حضارة الإسلام / التراجم / عالم الكتب / الأدب / وثائق وبيانات / الشباب / ركن الأطفال / شخصية العدد

ليس كل ما ينشر يعبر بالضرورة عن رأي المجلة، ولا تتحمل المجلة مسؤولية الاستخدام غير السليم للبرامج والوثائق

كل الحقوق محفوظة لمجلة الغرباء 2006 ©

www.alghoraba.com