البطالة في سورية

واقعها..أسبابها..آليات الحد منه

 

بعد مرور ثلاثة وأربعين عاماً على قيام ثورة الثامن من آذار تتكشّف الحقائق في سوريّة عن واقع مخيف تعيشه الطبقة العاملة ينذر بأبشع العواقب، وتعد هذه الدراسة الجادة عن البطالة للأستاذ سامي حسن المنشورة في جريدة النور واحدة من أهم الدراسات الجادة، اخترنا منها بعض ما يهم الشباب ودعاة الإصلاح والتغيير، ولا يعني هذا دعوتهم للهجرة، وترك الأمور تزداد سوءاً، ولكنها جرس إنذار للجميع. (قلم التحرير)

 واقع البطالة في سورية (حقائق وأرقام):

إن التعريف البسيط والمتداول للعاطل أو المتعطل عن العمل يقول بأنه فرد قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبل به عند مستوى الأجر السائد، ولكنه لا يجده. وبناء على هذا التعريف يستثنى عند إحصاء أعداد العاطلين عن العمل فئات عديدة، منهم الأطفال دون سن الـ16 عاماً وكبار السن والمرضى.. ويميز الاقتصاديون بين أنواع مختلفة للبطالة، أهمها البطالة الظاهرة أو السافرة التي تستند إلى تعريف العاطل عن العمل، أي باعتبارها نشاطاً لا إرادياً، ونذكر من الأنواع والأشكال الأخرى البطالة المقنعة والبطالة الموسمية والبطالة التقنية والبطالة الهيكلية..إلخ.

وبناء على ما سبق، ولأن الإحصاءات في بلداننا تفتقد إلى الدقة في كثير من الأحيان، فسوف أعرض، بالاستناد إلى مصادر متعددة، أهم المعلومات التي تمكننا من مقاربة واقع البطالة في سورية.

في مداخلة للدكتور عصام الزعيم، منشورة بعنوان دور الـدولـة الاقتصادي في عصر العولمة (2/ 3) نشرة كلنا شركاء 8/2/2005، يقول:

إن (معدل النمو الاقتصادي كان بالقيمة الفعلية وحسب الإحصاءات الرسمية 2.6 بالمئة عام 2003. فإذا أخذنا النمو السكاني بالحسبان اقتصر معدل النمو الفعلي على 0.14 بالمئة فقط).

وفي حـوار مع الدكتور حسين العماش، منشور في صحيفة تشرين (في وقت تزداد فيه البطالة بمعدل 200ألف نسمة سنوياً، ومعدل النمو صفر أو 2% أو 3% (حسب آخر إحصاءات الحكومة) فعملياً كأنه لا يوجد توسع في فرص العمل إذ يستهلكها النمو السكاني، والنتيجة تزداد البطالة نسبة وحجماً. في 2001 كان الحديث عن 440ألف عاطل، الآن وبكل المعايير حتى المتحفظة منها تتكلم الحكومة عن 700ألف فما فوق، بينما تشير تقديراتنا إلى 812 ألفاً).

وفي مداخلة للدكتور مطانيوس حبيب، منشورة في الموقع الإلكتروني لجمعية العلوم الاقتصادية، يقول:

(تختلف الأرقام المعطاة عن أعداد المعطَّلين عن العمل، تبعاً للمعيار المعتمد في تعريف اللانشاط الاقتصادي، وكذلك تبعاً لصدقية مصدر الأرقام. بحسب مشروع برنامج الإصلاح الاقتصادي قدرت نسبة العاطلين عن العمل في عام 2002 بنسبة 9.5% من مجموع قوة العمل. وبحسب المجموعة الإحصائية السورية قدر عدد المعطَّلين عن العمل لذات العام بـ637805 أشخاص؛ أي ما يعادل 11.6% من قوة العمل. وتشير أرقام هيئة مكافحة البطالة إلى أن عدد المعطّلين عن العمل بلغ 800 ألف شخص، أي بنسبة 15%).

أما الدكتور عصام الزعيم، وهو وزير تخطيط سابق، جرى في مدة وزارته بحث عن البطالة في سورية، فقد قدر عدد المعطّلين عن العمل بـ 900 ألف شخص وذلك في محاضرة له حول نموذج التنمية الاقتصادية في سورية. مما يرفع نسبة المعطلين إلى 17%. وفي تقديرات لباحثين سوريين وعرب تصل نسبة البطالة إلى 22%(صحيفة تشرين).

في حين أورد التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1998 نسبة البطالة في سورية بـ 20%. كان النمو السكاني يتم بمعدل عال يفوق 3 بالمئة حتى أواخر الثمانينيات، ثم انخفض إلى 2.46 بالمئة خلال السنوات السبع الأخيرة من عقد التسعيينيات، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى تدفق أعداد كبيرة تناهز ربع مليون شخص سنوياً إلى سوق العمل السورية.

فيصبح مجموع الأشخاص المعطَّلين عن العمل فعلاً يزيد على ثلاثة مـلايين شخص، وهو ما يشكل نحو 54% من قوة العمل في سورية.

وفي محاضرة للدكتور نبيل مرزوق، منشورة في الموقع الإلكتروني لجمعية العلوم الاقتصادية، يقول:

(تدل معطيات المسوحات السابقة على تزايد الأزمة في الريف وتصاعد معدلات البطالة فيه بسرعة أكبر من تلك الملاحظة في الحضر. فقد شكل مجموع العاطلين عن العمل في الريف نحو 42.27% من العاطلين عن العمل عام،1995، وقد أصبحت نسبتهم 56.79% عام 1999. وفي نتائج بحث القوى العاملة لعام 2002 أصبحت نسبتهم 61.29 % من إجمالي العاطلين عن العمل.

وبلغت نسبة من هم في الشريحة العمرية 15-29 عاماً 47.25% من القوة البشرية عام 2002, في حين بلغت حصتهم من البطالة 90.99% من إجمالي العاطلين عن العمل ذلك العام. وفي عام 1999 أصبحت حصة المرأة من البطالة تعادل37.73% من إجمالي البطالة، رغم أن حصتها من قوة العمل ذلك العام لم تتجاوز 19.26%. لقد شكل الحاصلون على تعليم ابتدائي فمادون نحو 66.79% من قوة العمل عام 2002، في حين كانت نسبة العاطلين عن العمل من هذه الفئة التعليمية 67.34 % من إجمالي العاطلين عن العمل.

وتدني نسبة العاطلين عن العمل في الفئة الجامعية يفسر بالفرص التي تمنحها الدولة لهؤلاء الخريجين في الإدارة العامة أو في القطاع العام الذي يضم 61.7% من إجمالي الخريجين الجامعيين.

بالإضافة إلى الالتزام الذي كانت الدولة قد أخذته على عاتقها بتعيين بعض الخريجين وخاصة المهندسين, وقد تحللت من هذا الالتزام مؤخراً, لتزيد من حصة هذه الفئة في البطالة).

إذن يمكن تكثيف المعطيات السابقة بالقول: إن معدل النمو الاقتصادي منخفض جداً بالمقارنة مع معدل النمو السكاني، وإن نسبة الزيادة السنوية لعدد العاطلين عن العمل أكثر من 200 ألف. أما عدد العاطلين عن العمل (بطالة ظاهرة فقط) فهو بحدود مليون. وتشكل البطالة بين الفئة الشبابية دون 30 عاماً نحو 90% من إجمالي العاطلين عن العمل، كما أن نسبة البطالة بين النساء أكثر من الرجال، وفي الريف أكثر من المدن، وهي مرتفعة كثيراً لدى الفئات ذات المستوى التعليمي المنخفض بالمقارنة مع الفئات ذات المستوى التعليمي الأعلى، ولكن نسبة البطالة لدى حملة الشهادات العليا سوف ترتفع ولاسيما أن الدولة لم تعد ملزمة بتعيين المهندسين.

ومن المتوقع زيادة أعداد العاطلين عن العمل نتيجة للسياسات الليبرالية الجديدة ولا سيما السير في طريق الخصخصة وتراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، وعند البدء بتنفيذ استحقاقات اتفاقية الشراكة بين سورية.

أسباب تفاقم ظاهرة البطالة في سورية:

ترتبط البطالة بنيوياً كما أشرنا في المقدمة بنمط الإنتاج الرأسمالي السائد، ويضاف إليها في حالة معظم بلدان العالم الثالث، ومنها سورية، ارتباط نمط إنتاجها بعلاقة تبعية مع المراكز الرأسمالية، مما يعني تحمله للنتائج السلبية لهذه العلاقة وفي مقدمتها الأزمات.

لكن ما سنتناوله هنا هو العوامل التي ساعدت وتساعد في تفاقم مشكلة البطالة.

1- ضعف النمو الاقتصادي في القطاعين العام والخاص، وعدم التوسع الأفقي في أعداد المنشآت وضعف التقنيات المستخدمة في المنشآت القائمة، وتركيز القطاع الخاص في نشاطه على التجارة والخدمات، مما قلل في المحصلة من امتصاص الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل.

2- تدمير الطبقة الوسطى، وإفلاس المشاريع الصغيرة والمهن الحرة أو انخفاض مردودها نتيجة المنافسة.

3- تفشي ظاهرة الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها:

إن انتشار الفساد في أجهزة الدولة ومؤسساتها لا ينحصر تأثيره في نهب أموال الدولة ومواردها وعدم التوزيع العادل للثروة، بل إن الأخطر من ذلك هو فساد أصحاب القرارات وواضعي السياسات، وتحولهم إلى شريحة بيروقراطية لها مصالحها المشتركة التي غالباً ما تتناقض مع مصالح غالبية الشعب، وتتجلى الانعكاسات الخطيرة لذلك في العديد من القضايا الجوهرية والمصيرية ومنها:

أ- وضع سياسات خاطئة وقاتلة - مفصلة على مقاس واضعيها- لمعالجة قضايا كبيرة ومنها مشكلة البطالة.

ب- عدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، واستبعاد العناصر النزيهة ذات الكفاءة، مما أدى إلى تخسير العديد من المؤسسات المنتجة وتفشيلها.

ج_ سوء توزيع العاملين على قطاعات الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، إذ نلاحظ تضخم أعدادهم في بعضها دون الحاجة إلى ذلك، وقلتهم في بعضها الآخر بالرغم من الحاجة إلى أعداد أكبر.

د- تشغيل القطاع الخاص للأطفال بدافع انخفاض أجورهم، وبالتالي الاستغناء عن اليد العاملة الحقيقية دون أي رادع.

4- السياسات الاقتصادية الجديدة المتمثلة في تخلي الدولة على نحو أو آخر عن دورها الاقتصادي والاجتماعي: ومن الأمثلة على ذلك فك الدولة التزامها بتعيين خريجي الجامعات، مما أدى إلى زيادة كبيرة في أعداد العاطلين عن العمل من هذه الشريحة الكبيرة في المجتمع.

5- زيادة الهجرة من الريف إلى المدينة نتيجة لسوء الأوضاع المعيشية والخدمية والتي ترتبط أسبابها على نحو أو آخر بالفساد والسياسات الخاطئة.

6- غياب الحريات العامة وهيمنة القوانين الاستثنائية، الأمر الذي أدى إلى:

أ- تعزيز الأسباب السابقة التي فاقمت مشكلة البطالة، وعدم إمكانية ملاحقة الخلل وكشف الفاسدين وسياساتهم التدميرية، وبالتالي تغييب إمكانية المعالجة الحقيقية لهذه المشكلة.

ب- إضعاف المجتمع عموماً (حرمان العمال من تشكيل تنظيماتهم النقابية الحقيقية، منع التظاهر والإضراب،.....) أدى إلى تقوية تحكم أرباب العمل بشروط العمل، و زيادة أعداد العاطلين عن العمل (على سبيل المثال يتم تقليص أعداد العاملين في القطاع الخاص،بعدة طرق، منها زيادة عدد ساعات العمل، و فصل العمال..).

ج- وفي نفس الوقت - وهو ما يبدو أنه مفارقة مع النقطة السابقة- فإن هيمنة القوانين الاستثنائية لم يشجع الكثير من رؤوس الأموال ومنها المهاجرة على الاستثمار، وبالتالي خلق فرص عمل جديدةوالاتحاد الأوربي في سورية.

آليات وطرق مكافحة البطالة في سورية:

لا يمكن معالجة مشكلة البطالة في سورية وتخفيض أعداد العاطلين عن العمل والحد من زيادتها دون المعالجة الجذرية للأسباب التي ذكرناها سابقاً. ولذلك فإن هذا الموضوع يتطلب القيام بعملية إصلاح شاملة تطول جميع مستويات البنية الاجتماعية، الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والثقافية، ويمكن لنا أن نشتق من عملية الإصلاح الشاملة مهام وعناوين وخطوطاً رئيسية نذكر منها:

أ‌- تفعيل الدور الإشرافي والتخطيطي للدولة، وإصلاح القطاع العام إصلاحاً شاملاً وجذرياً، بحيث يلعب دوراً اقتصادياً أساسياً ومنتجاً كما هو الحال في العديد من دول العالم، والقضاء على التضخم البيروقراطي في أجهزة الدولة المختلفة.

ب‌- إعادة الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة، وإصدارها لقانون يمنح بموجبه العاطل عن العمل راتباً يكفيه لتأمين مستلزمات حياته أسوة بالدول (المتقدمة).

ج‌- حماية حقوق العمال المتعارف عليها وتعزيزها وتطويرها (الراتب التقاعدي، الضمان الصحي،...) وذلك في القطاعين العام والخاص.

د‌- إصلاح النظام الضريبي، بحيث يتم تطبيق نظام الضريبة التصاعدية أسوة بالعديد من دول العالم (المتقدمة)، وهو ما سيساهم في تأمين رواتب العاطلين عن العمل.

هـ‌- إصلاح القضاء، ونظام التعليم، وتشجيع المرأة على الانخراط في العمل، وتشديد المراقبة لمنع تشغيل الأطفال.

و‌- عدم الرضوخ للشروط والضغوط التي تمارسها المراكز الرأسمالية العالمية ومؤسساتها(صندوق النقد والبنك الدوليان، منظمة التجارة العالمية....) ولانعكاسات العولمة الرأسمالية المتوحشة والسياسات الليبرالية الجديدة وتعزيز شروط مواجهتها.

ز‌- الاستفادة من بعض التجارب العالمية الناجحة في صياغة شكل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص (الصين، ماليزيا..).

ح‌- مبادرة الدولة لتشجيع شكل من العمل الخاص المدروس، الموجه والمخطط له (الحاضنات مثلاً) بمشاركتها أو إشرافها، وتشجيع جميع أشكال العمل الأهلي والتعاوني، وتقديم التسهيلات لإنجاح ذلك.

ط‌- إطلاق الحريات العامة وإلغاء القوانين الاستثنائية ومحاربة كل أشكال الفساد، بالاستناد إلى استراتيجية واضحة يجري العمل بها في ظل الديموقراطية والشفافية وسيادة القانون.

ي‌- الحد من ظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة، من خلال استراتيجية تستند إلى تحسين الخدمات في الريف، وتطوير الزراعة و التصنيع الزراعي، وإعادة توزيع النشاطات والمؤسسات الاقتصادية المختلفة.

ك‌- اعتماد مبدأ تبادل وتكافؤ المنفعة في بناء العلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى، وإعطاء الأولوية لتطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية) 1/12/2005.

 المرجع: جريدة النور عدد 192 تاريخ 23 3/2005 مقال: سامي حسن.

 

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - --

الرئيسة / حضارة الإسلام / التراجم / عالم الكتب / الأدب / وثائق وبيانات / الشباب / ركن الأطفال / شخصية العدد

ليس كل ما ينشر يعبر بالضرورة عن رأي المجلة، ولا تتحمل المجلة مسؤولية الاستخدام غير السليم للبرامج والوثائق

كل الحقوق محفوظة لمجلة الغرباء 2006 ©

www.alghoraba.com