|
الإصلاح بين التدرّج والاستعجال |
|
|
بقلم: محمد علي شاهين
رئيس التحرير
|
|
الخميس 1 تموز 2010 |
|
أجمع أعلام الدعاة ورجال الفكر على أنّ الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في عالمنا الإسلامي أصبح ضرورة ملحّة، وواجباً شرعيّاً لا خيار عنه. وانطلق عقلاء الأمّة من خلال هذا الواقع البائس يحثّون الحكومات وذوي السلطة والنفوذ على الإصلاح، ويطالبونهم بوضعه في رأس قائمة الأولويات. لكنّهم اختلفوا حول أسلوب الإصلاح، ما بين متدرّج في الإصلاح ومتسرّع فيه، وكان لكل فريق من هذين الفريقين وجهة نظر تستحق الدراسة المتأنيّة، والوقوف عندها وقفات طويلة. أمّا فريق الإصلاح المتدرّج فيرى في الأسلوب القائم على الإيمان، والتقوى، والبر، والعفو، والتوبة، وذكر الله، والحوار الهادئ، والإقناع، وعدم الإكراه في الدين، هو الأسلوب الأمثل للإصلاح. وأنّ التدرّج في الإصلاح سنّة من سنن الله تعالى في مسيرة الشرائع السماويّة، ولابدّ من تربية الفرد ثمّ الأسرة ثم المجتمع، والسعي المتواصل لتقديم البدائل حتى يتوارى الفساد ويسود العدل. واتسعت في نظر هذا الفريق دائرة القادرين على الإصلاح، فحمّلوا الأفراد والجماعات والهيئات والأحزاب والحكومات مسؤوليّة الإصلاح، وأدانوا العنف أينما كان مصدره. ورأى فريق الاستعجال أنّ العمر قصير لا يحتمل الانتظار، وأنّ الأمور باتت لا تطاق في عهد الحكومات المعمّرة، بسبب طغيان الأنظمة، واستمرار حالة الطوارئ والأحكام العرفيّة كحالة دائمة تحت دعوى حالة الحرب مع العدو الإسرائيلي، وكثرة المظالم، وتفشّي ظاهرة التعذيب، واتساع دائرة القمع والقهر، واستشراء الفساد، وتزييف إرادة الشعوب في كل انتخابات .. إلخ ونبّه الأخيار إلى خطورة ما يجري من ممارسات، وانتهاكات لحقوق الإنسان، وأبدوا خشيتهم من أن يتحوّل تيار التدرّج عن أسلوبه السلمي الهادئ ونضاله الدستوري إلى مرجل غضب يجتث كل المعوّقين للإصلاح، المصرّين على وضع العصي في دولاب الزمان والتطوّر، الخامدين أنفاس كل معتدل في هذا العالم الإسلامي المقهور. وما ظهر من عنف ليس إلاّ نتيجة طبيعيّة لتفشّي المظالم، وانغلاق أبواب الأمل، وتراكم الهزائم والأخطاء، وفشل السياسات، وانسداد آفاق المشاركة الشعبيّة، واستشراء الفساد في الطبقة الحاكمة في غياب الرقابة والمحاسبة، وحرمان المواطن من حقوقه الإنسانيّة تحت دعوى التنمية والتحديث. ففي غياب الاعتدال والوسطيّة ينبت الغلو في الدين، ويترعرع التطرّف، ويسود العنف وتتحوّل شوارع المدن الصامتة إلى ساحات حرب، وينقلب السلام الاجتماعي إلى حرب أهليّة تأكل الأخضر واليابس، ويومها لا ينفع الندم، ويومئذ يخسر المبطلون، وتبوء كل محاولات إلصاق تهمة التطرّف والإرهاب بالدعاة المصلحين بالخذلان. أمّا الحديث عن مصطلح الإرهاب والتطرّف في الإعلام الحاقد، وما يشن من حروب على الإرهاب في العراق وأفغانستان، فلا يعدو أن يكون حجّة واهية لإضعاف دول المنطقة وإبقائها عاجزة عن مواجهة الصلف الإسرائيلي، وتغطية النوايا العدوانيّة على شعوبنا المسلمة، ووأد صحوتها. والأنكى من ذلك أن يستخدم هذا المصطلح الفظّ من كان ولا يزال يمارس الأسباب الداعية للتطرّف محتلاً كان، أم ديكتاتوراً عسكريّاً في ثياب مدنيّة سطا على السلطة تحت جنح الظلام، أو مستبداً ظالماً لا يريد أن ينزل عن كرسي الرئاسة عن طيب خاطر، أو فاسداً يضع مقدّرات شعبه في خدمة شيعته وأتباعه المقرّبين، وينفث حقده ويسلّط سيفه على رقاب شعب مقهور يعشق الحريّة ويتطلّع للعيش بكرامة. ألا تجسّد قضيّة فلسطين حالة من دائمة الإرهاب والتطرّف تصل إلى درجة الجريمة المستمرّة؟ ألم ترتكب بحق شعب فلسطين جرائم ومجازر بقي فاعلوها طلقاء يستقبلون في عواصم العالم الذي يدّعي الحرص على محاربة الإرهاب؟ أليست جريمة إحراق المسجد الاقصى، وتهويد القدس، وإقامة جدار الفصل العنصري، والعدوان على غزّة وحصار شعبها، والهجوم على قافلة الحريّة تدخل ضمن مسمّى الإرهاب؟ لقد أدرك المخلصون في هذا العالم الإسلامي الأهداف الخفيّة وراء الحرب المعلنة على الإرهاب منذ الحادي عشر من أيلول ـ بعد فشل الحكام في ترويض المارد الإسلامي في أعقاب سقوط الخلافة الإسلاميّة ـ أنّ الإسلام هو الهدف في هذه الحرب الصليبية الجديدة، وفي هذا المعنى يقول الداعية عصام العريان: أما الآن وبعد أن ظنّ الغرب أنّ قضيّة الإسلام السياسي انتهت، وبالتالي انتهى أمل (وحدة المسلمين) وجدنا في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين في الغرب من يرفع شعار مواجهة الإرهاب ليخفى حربه المعلنة على الإسلام. ولم يأبه المناضل أصلان مسخادوف للحملات الإعلاميّة المغرضة التي استهدفت وأد صحوة أمّة الإسلام في شمال القوقاز، تحت دعوى مكافحة الإرهاب والتطرّف الإسلامي، ومات شهيداً. وحذّر الزعيم الإسلامي قلب الدين حكمتيار من إطلاق الوهابيّة والأصوليّة والتطرّف في الإعلام الغربي على المجاهدين لهدم الشخصيّات الإسلاميّة في نفوس العامّة، وتنفيرهم، وقطع الصلة معهم. ورصد الداعية المغربي أحمد الريسوني التطور المستمر في فكر الحركات الإسلاميّة ومواقفها وممارساتها، فأكّد أنّ الاتجاه العام لدي مختلف الحركات الإسلاميّة عبر العالم يسير نحو التقبّل والتعامل الإيجابي مع المشاركة السياسية ومع الديمقراطيّة ومع المجتمع المدني وحقوق الإنسان، مع رفض العنف والتطرف والحرص علي التفاهم والعمل السلمي، وأرجع التعامل الحذر والمتحفّظ لكثير من الإسلاميين ومن الهيئات الإسلاميّة مع دعوات حقوق الإنسان، إلي ما يشوب دعوات حقوق الإنسان من توظيف سياسي وايديولوجي ومن تطبيق انتقائي لا يستقر علي قاعدة مطّردة واضحة، أما في ما يتعلق بقضية العنف، فاعترف القيادي الإسلامي بأنّ بعض العناصر أو بعض الفصائل من الحركة الإسلاميّة قد لجأوا إلي العنف، إلا أنه قال إنّ ذلك يظل استثناءً وشذوذاً عن القاعدة العامّة. وأوصى الشيخ عبد الرحمن الكواكبي بانتهاج الأسلوب السلمي الإصلاحي للتحرّر من الاستبداد، وأكّد على أنّ مهمّة المضطهدين هي الاستعداد لأن يقولوا: إنّنا لا نريد الشر، ودعا إلى تأسيس العدالة، ونبذ العنف، والتدرّج في مقاومة الاستبداد، كي لا تكون فتنة، وأكّد على تهيئة البدائل، وقال: لو أبصر الطاغية في يد المضطهد سيفاً لقرّر إصلاح انعدام العدالة. ورغم كل ما قرّره الإسلاميّون في الماضي والحاضر، وما كتبوه في وصف هذه الظواهر الغريبة عن مجتمعاتنا المسلمة، فلم يسلم الإسلاميّون وهيئاتهم الفاعلة من إطلاق تهمة التطرّف والغلو عليهم جزافاً، في تصريحات عدد من السياسيين الغربيين، ووسائل الإعلام يشتم منها رائحة الحقد والكراهيّة والتحريض على دعاة الإصلاح الذين تولاهم ربّهم، وأدخلهم في رحمته، وضمن لهم الأجر والمثوبة، وجنات النعيم، ووراثة الأرض، وتكفير السيّئات، واستجابة الدعاء، والدرجات العلا، والحياة الطيّبة. "أفنجعل المسلمين كالمجرمين * مالكم كيف تحكمون" (القلم الآية 35 و36) صدق الله العظيم. |