لم تتوقّف الحركة الصهيونيّة عن البحث عن مبرّرات لبسط سيطرتها على فلسطين، وربط مهاجري اليهود بالأرض المحتلّة في مواجهة الهجرة المعاكسة، واستمرّت محاولات السيطرة على الرموز الإسلاميّة والعربيّة، وسرقة أوقافها، وطمس آثارها، وإزالة معالمها المتجزّرة في الأراضي المحتلّة، وتحويلها إلى رموز يهوديّة، وإقناع القادمين الجدد وأبناء المهاجرين بأصالة هذا التراث المنحول.
واستخدمت الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة كافّة الأساليب لتبرير خطط التهويد، وتهجير أصحاب البلاد، وفرض واقع جديد على الأرض.
ففي أعقاب التوقيع على اتفاقيّة أوسلو، قام الإرهابي اليهودي باروخ غولدشتاين بالتواطؤ مع الجيش الإسرائيلي، بإلقاء قنبلتين وإطلاق النار على المصلين في المسجد الإبراهيمي، وهم ساجدون، فقتل تسعة وعشرين مصلياً، وجرح مئة وخمسين آخرين، وقام الجنود الإسرائيليّون بإغلاق أبواب المسجد لمنع المصلين من الخروج، ومنع الوصول إلى الجرحى لإنقاذهم، وجرى إطلاق النار على المواطنين

الحرم الإبراهيمي
خارج المسجد، وأثناء تشييع الشهداء، حيث بلغت حصيلة الجمعة الحمراء خمسون شهيداً.
وفي الذكرى السادسة لمجزرة الحرم الإبراهيمي، وإمعاناً في ارتكاب هذه الجريمة، واستفزازاً لمشاعر المسلمين، أقرّت الحكومة الإسرائيليّة في جلستها الأسبوعيّة 21/2/2010، ضمّ الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، ـ وفي كتاب ربّنا أنه "ما كان إبراهيم يهوديّاً ولا نصرانيّاً ولكن كان حنيفاً مسلما وما كان من المشركين" ـ ومسجد بلال بن أبي رباح (قبّة راحيل) في بيت لحم إلى قائمة المواقع الأثريّة التراثيّة، وسط ابتهاج الجماعات الاستيطانيّة، والأحزاب اليمينيّة، التي اعتبرته إنجازاً كبيراً وتاريخيّاً للأمّة اليهوديّة،
غير عابئة بالجريمة التي ترتكبها بحق المقدّسات الإسلاميّة، ولا بعواقب هذا القرار الذي يؤجّج المشاعر، ويلهب العواطف، ويدفع المنطقة نحو حرب دينيّة لا يعلم نتائجها إلا الله.
ومن الجدير بالذكر أنّ المسلمين قد حرصوا بعد الفتح على حماية هذا المكان المقدّس، فحصّنوه وأحاطوه بالأسوار الشاهقة من كل جانب، ورفعوا مداميكه بالحجارة الضخمة، وشيّدوا فوق أسواره مئذنتان مربّعتان شاهقتان، لرصد هجمات الأعداء، ورفع كلمة الله، وحفظوا الأضرحة المنسوبة للأنبياء، في الأقبية والمغارات، وتحت القباب.
وأنّ الموقعين المذكورين يقعان في الضفّة الغربيّة التي احتلتها القوات الإسرائيليّة في أعقاب هزيمة حزيران 1967، وتخضع شكليّاً لسلطة أوسلو، العاجزة عن حماية المقدّسات، والتي تبحث عن مبرّر لاستمرارها في السلطة.
وبهذه المناسبة نلفت نظر العقلاء من بني جلدتنا إلى بعض الأصوات التي تؤذن لأهل الأديان بالحج إلى بلادنا، وتدعوهم لزيارة مقامات الأنبياء والصالحين، والتوسّع في تشييد الأضرحة والآثار الدينيّة ـ وما أكثرها في بلادنا ـ وتؤكّد لهم قداسة هذه الأماكن دون دليل تاريخي، تنشيطاً للسياحة، وتشجيعاً لما يسمّى بالسياحة الدينيّة، علّها تفوذ بأفواج من السيّاح، يملأون علينا مطاعمنا وفنادقنا ويحركون الكاسد من أسواقنا، غير مدركين لحجم الأخطار الناتجة عن هذه السياحة المريبة، ونحن نمنحهم سند تمليك للأرض العربيّة والإسلاميّة باسم الدين، ونعطيهم المبرّرات للسيطرة على البلاد.
وهل ينس الشرق المسكين تسعة حروب صليبيّة استغرقت قرنين من الويلات والآلام؟ كلا ولا مشاهد الفرسان تحت راية الصليب وهم يخوضون بحر دماء المسلمين داخل الحرم القدسي حتى الركب، تحت دعوى تحرير بيت المقدس، وإنقاذه من المسلمين، وما جرّته هذه الحروب على المنطقة من دمار.
وما يكابده هذا الشرق اليوم من اليهود باسم الدين، وسعيهم المحموم لإعادة بناء الهيكل، وتهويد المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى تمهيداًً للاستيلاء على القدس وما حولها من القرى والبلدات العربيّة، وباسم المحافظة على التراث يهوّدون اليوم الحرم الإبراهيمي ويسيطرون على الخليل، ثمّ يهوّدون مسجد بلال بن رباح ليستولوا على بيت لحم، لأنّ أطماع بني صهيون ليس لها حدود.
فهل ينتظر العرب والمسلمون من بني صهيون إلا الغدر، والانقضاض على بلاد المسلمين تحت دعوى استعادة المقدّسات اليهوديّة كلّما شعروا فينا ضعفاً وتفرّقاً.