يوماً بعد يوم تتكشّف المؤامرة، وتتصاعد الأخطار الصهيونيّة المحدقة بالمقدّسات الإسلاميّة في فلسطين، وفي مقدمتها الحرم الإبراهيمي، والمسجد الأقصى، وخاصّة بعد اغتصاب البراق، وتسليط المدفعيّة على المسجد الأقصى في عام 1967، والقيام بمحاولة آثمة لإحراقه على يد متطرّف يهودي يدعى (مايكل دينيس) في عام 1969، دمّر قسمه الجنوبي الشرقي وأتي علي منبره الأثري، والسكوت على اقتسام الحرم الإبراهيمي، وارتكاب مجزرة مروّعة في مصلاّه في عام 1994، والمحاولات المتكرّرة من الصهاينة والمتطرّفين اليهود لاقتحام ساحة المسجد الأقصى المبارك تارة لإقامة صلواتهم فيها، وتارة لوضع ما يسمّونه حجر الأساس لإقامة هيكلهم المزعوم، واستمرار الحفريات تحت أساساته بحثاً عن هذا الهيكل دون جدوى، والتمهيد لإعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأسير، والمباشرة بتنفيذ القدس الكبرى، والسعي المحموم لتهويد المدينة المقدّسة وتطويقها بالأحياء اليهوديّة.

ولقد أدرك جثامة هذه الأخطار في وقت مبكّر رجال كرّسوا حياتهم لإحباط محاولات الاعتداء على المقدّسات وحمايتها من كلّ اعتداء، وآخرون ملكوا بعد النظر، والإخلاص لقضايا أمتهم، لا تزال صدى صرخاتهم ومناشداتهم وتحذيراتهم تتردّد في أرجاء العالم الإسلامي.
وكان أحد أبطال الخلافة الزعيم الهندي محمد علي جوهر قد زار القدس بعد حوادث 1927 المتعلّقة بالبراق الشريف بدعوة من المفتي الحسيني، وصلّى بالمسجد الأقصى، وأكد على حقوق المسلمين في فلسطين.
وقال في ندائه إلى إخوانه الهنود سنة 1349/1929 شعرت بكل جوارحي أنّ من أكبر واجباتي وأكسبها للأجر والثواب أن أضحّي بكل ما أملك لأشترك في المحافظة على الحرم الشريف، وأن أكون من المسلمين الذين لا يسمحون لليهود باغتصاب البراق، ولو كلّفني ذلك دمي الذي يجري في عروقي.
ودعا جميع المسلمين في شبه القارّة الهنديّة إلى تأدية القسم بعد صلاة يوم الجمعة بأن يضحّوا بأرواحهم من أجل الحفاظ على الأماكن الإسلاميّة في القدس.
وتوقّع اللواء محمود شيت خطّاب أن يرتكب اليهود جريمة إحراق المسجد الأقصى، وحذّر من المخطّطات الصهيونيّة لبناء الهيكل على أنقاضه.
ونقل عن المجلة المسيحيّة المعاصرة قولها: بأن الحكومة الأمريكيّة أرسلت حمولة 500 شاحنة من الحجارة الصخريّة من (بيدفورد) بولاية انديانا إلى إسرائيل، وتعتبر حجارة أنديانا من أفضل صخور البناء في العالم، أما الغرض من استيراد هذه الحجارة فهو إعادة بناء هيكل سليمان، وقد أذاعت هذا السر مصادر علميّة في (ساسبورغ) بأنديانا، التي ذكرت أن حجر الزاوية للهيكل في القدس قد وصل فعلاً إلى إسرائيل، وأن تحضير مواد بناء الهيكل يجري بصورة سريّة منذ سبع سنوات، وقد تبرّعت حكومة الولايات المتحدة بعمودين من البرونز لنفس الغرض.
ورغم أنّه توقّع أن تقوم إسرائيل بإحراق المسجد الأقصى في الموعد الذي قامت فيه بإحراقه، فلم يلتفت إلى تحذيره من بيده مقاليد الأمور.
وحذّر الشيخ محمد الغزالي رحمه الله من هدم المسجد الأقصى، وقال: إن زوال المسجد ليس قضية فلسطينيّة، بل قضيّة قرآنيّة، وإن اليهود يتحرّكون بعقيدة دينيّة، بينما نحن العرب والمسلمون لا نتحرك بالعقيدة الدينيّة المطلوبة، وإنّ واجب المسلمين أن يجعلوا المعركة معركة عقيدة.
وذهبت صرخات الشاعر عبد الرحيم محمود قبل إقرار التقسيم هباءً، وهي التي جاءت تنذر العالم العربي بالخطر الداهم، وصدف أن أميراً عربياً جاء فلسطين سنة 1354/1935 فاستغاثت به الجماهير، فلمّا وصل الموكب عنبتا (بلد الشاعر)، وقف الشاعر قائلاً بكل ما يملك من جرأة وصراحة:
المسجد الأقصى أجئت تزوره أم جئت من قبل الضياع تودّعه
وأشار الشيخ عبد الحميد السائح إلى محاولات اليهود المتعدّدة والمتكرّرة لإحراق المسجد الأقصى وسرقة ما بداخله من تراث إسلامي ضخم، وتسليط المدفعيّة عليه سنة 1387/ 1967 وأنّهم بذلك ليسوا أهلاً لإدارة المدينة المقدّسة، ورعاية حقوق الآخرين.
وقال: لا سبيل لإنقاذ فلسطين إلا بالعودة إلى الله، والتخلّص والانعتاق من التبعيّة، وإن الطريق الوحيد لتحرير القدس هو طريق لا إله إلا الله، طريق الحق.
وقال: إن ذمم المسؤولين في العالم الإسلامي حكّاماً ومحكومين لا يمكن أن تبرأ من المسؤوليّة، إلا إذا عملوا فعلاً لتطهير المدينة المقدّسة، وإعادتها إلى السيادة العربيّة الإسلاميّة.
وقال مفتي القدس الشيخ عكرمة صبري: إنّ سلطات الاحتلال الإسرائيليّة ماضية في إقامة ما تسميه (القدس الكبرى) من خلال توسيع مساحتها باغتصاب المزيد من الأراضي العربيّة، الأمر الذي يكشف بجلاء أن خطراً شديداً يحيط بالقدس ومقدّساتها، وأنّ هذا الخطر يتفاقم ويزداد يوماً بعد يوم.
وحذّر من محاولات تقويض المسجد الأقصى المبارك وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، وقال: إنّ الحفريّات الإسرائيليّة مستمرّة تحت أساساته، وأنّ انهياراً في الطريق المؤدّي إلى باب المغاربة نتيجة تلك الحفريات قد وقع نتيجة هذه الحفريّات.
ولا زالت قوّات الاحتلال المدجّجة بالأسلحة تقتحم ساحة المسجد الأقصى المبارك وتدنّسها، وتمنع المصلّين من الدخول إلى المسجد للصلاة.
ولعل ما يحدث في كل يوم جمعة من منع سلطات الاحتلال المصلّين من الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك أوضح دليل على عدم احترام الصهاينة معتقدات الآخرين ومقدّساتهم الدينية.
وأنّ الاعتداءات الإسرائيليّة لا تتوقّف عند هذا الحد، فقد تم تهجير قسرى للكثيرين من السكان العرب إلى خارج القدس بدون أسباب.
ورأى المهندس رائف نجم أنّ الهدف الرئيسي من الحفريات تحت دعوى البحث عن المياه حول المسجد الأقصى هو اختراع مملكة داود القديمة التاريخية المزورة حتى يبرروا إنشاء دولة إسرائيل الحديثة، وقال: إنّ مساحة المسجد الأقصى: 144 ألف متراً مربّعاً، ونحن كمسلمين لا نتنازل عن سنتيمتر مربع واحد منها، المسجد الأقصى ليس الأبنية، نحن لا نقدس الأبنية نحن نقدس الأرض التي قدسها الله سبحانه وتعالى، وقال: إنّ هدف الحفريات تهويد القدس كاملا أرضا وبناءً وعمارة وتراثا وإنسانا.
وأشار إلى عزم اليهود على بناء الهيكل، وأنّ لديهم عشرة حلول لبنائه، وهم الآن بدؤوا بهدم باب المغاربة وفي نفس الوقت يستمرون في الحفريات، وبالتالي فإن خططهم تسير على قدم وساق، مع العلم بأنهم بدؤوا بالتفتيش عن الهيكل منذ عام 1863 أي أن نفسهم طويل، وهذا هو الخطر بعينه رغم أنهم لم يكتشفوا أي شيء طوال هذه الفترة الطويلة، لكن حفرياتهم تهدف لتقويض الأساسات وجعل الأقصى ينهار بذاته.
ونبّه إلى خطر هدم السور الغربي الذي تحمله أبنية إسلامية من أوله إلى آخره، هذه الأبنية اليوم معرضة للخطر وإذا انهارت هذه الأبنية بسبب الحفريات فسينهار السور معها، إذن الخطر في الجانب الغربي شديد جدا، وهو المنطقة المكتظة إسلاميا، الشرق لا توجد فيه أبنية والجنوب كذلك، فإذا تخلصوا من الغرب فسيتجهون للشمال.
ووصف جريمة إحراق المسجد الاقصى بأنّها جريمة تجسد حالة التطرف اليهودي للسلطات الاسرائيلية التي باركت هذا العمل، لا بل وخططت له عندما سمحت لليهودي (مايكل دينيس) بالعودة من استراليا التي سفّر اليها بعد اكتشاف محاولته القيام بجريمته قبل عام من تاريخ احراق الاقصى في 21 آب 1969، وسهلت له عملية الاحراق عندما قامت بقطع الماء والكهرباء عن الموقع في وقت تنفيذ العملية مما اضطر الاهالي الى اخراج المياه من الآبار واطفاء الحريق إلى أن وصلت سيارات الاطفاء من الخليل ورام الله.
فلتحمل الأمّة الإسلاميّة شعوباً وحكاماً مسؤوليتها في هذه المرحلة الدقيقة، ولتتضافر جهود المخلصين لحماية المقدّسات والزود عنها، لأنّ القضيّة الفلسطينّة ليست قضيّة الفلسطينيين وحدهم ولكنّها قضيّة المسلمين جميعا، وحماية مقدّسات فلسطين وإنقاذها مسؤوليّة جميع المسلمين.
ولتحذر إسرائيل ومنظّماتها الإرهابيّة المساس بمقدّسات المسلمين في فلسطين، ومواصلة الاعتداء على حقوق المسلمين الدينيّة، فإنّ الدين يفعل في نفوس أبناء الشرق ما لا تفعله الدعوة القوميّة والدولة القطريّة.
وإنّ أمّة تفرّط في حماية مقدّساتها، وتغضّ الطرف عن انتهاكها، وتتهاون في المحافظة عليها، لحقيق على الله أن يبيدها، أو يعاجلها بعذاب من عنده، " وإن تتولّوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".