|
الشاعر مصطفى عبد اللطيف عكرمة
وقصيدته
قل لي متى نتوحّد؟
بقلم: محمد علي شاهين
ولد الشاعر المبدع مصطفى عبد اللطيف عكرمة في بلدة الحفّة التابعة لمحافظة
اللاذقيّة عام 1943،
توفيت والدته وهو غلام صغير ،
فكان لوفاتها أثر كبير في تربية وجدانه العاطفي والنفسي، ونشأ على حب الفضائل،
وحب الناس، في رعاية أسرة كريمة معروفة بالجهاد والوطنيّة.
تمتّع بموهبة شعريّة فطريّة، وإحساس مرهف، وعاطفة جيّاشة، ومنحه سحر الجبال
صفاءً ذهنيّاً، وخيالاً عبقريّاً، واكتسب من بيئته مخزوناً لغويّاً ثرّاً،
وفصاحة وبلاغة لم تفسدها المدينة بصخبها ونفاقها، فكان ينشد الشعر الجيّد وهو
على مقاعد الدرس بالمرحلة الإعداديّة في مسقط رأسه، ويعتلي المنابر في
المناسبات الوطنيّة، فتلتهب الأكفّ له بالتصفيق والإعجاب.
ثم التحق بالتعليم الفني، لأنّه لم يجد من يقدّر موهبته الشعريّة المبكّرة،
ويوجهه نحو الدراسات الأدبيّة واللغويّة، التي اكتسبها بالجدّ والمثابرة،
واشتغل فنيّاً بالإذاعة السوريّة، فأتيحت له فرصة الاختلاط بطبقات المجتمع
السوري، واكتسب محبّة الفقراء والكادحين وازداد التصاقاً بهم.
وحصل على الثانويّة العامّة ثم انتسب إلى كليتي الحقوق في جامعة دمشق والأدب
العربي في الجامعة اللبنانية ببيروت، وانضم إلى اتحاد الكتاب العرب ورابطة
الأدب الإسلامي العالمية.
وتعاقد مع المملكة العربيّة السعوديّة، فتفجّرت طاقاته الأدبيّة، وكتب العديد
من البرامج الإذاعيّة والتلفزيونيّة، وأخذ ينشر إنتاجه الأدبي وقصائده الجميلة
في الصحف والمجلات العربيّة.
أحب الشاعر الأطفال وغنّى لهم أجمل القصائد، لأنّهم في نظره يمثّلون الطهر
والبراءة، وأحب الوطن لأنّ حب الوطن من الإيمان، فنشر العديد من القصائد
الوطنيّة، وكان داعية وحدة وتحرير، فاستنهض الهمم، ودعا إلى تحرير ما احتل من
ديار الإسلام.
أصدر (سلسلة مكتبة الطفل الشعريّة)
و(أجمل ما غنى للأطفال) و(فتى الإسلام) وله: ديوان (صيحة) و(حتى ترضى) و(يقظة)
ورسم الرسول القدوة في (محمدياته) ومجّد في (مجد الحصى) انتفاضة الشعب
الفلسطيني، و(عليكم
بالشآم) و(وطن وطفل)
وكتب
المسرحيّة الشعريّة (جنّة الكرامة).
وتأتي قصيدته التي اخترناها نموذجاً لشعره المتوقّد: قل لي متى نتوحّد؟ دعوة
للنهوض، وصرخة في دنيا أمّة مغيّبة تبحث عن مكانتها بين الشعوب، في عالم لا
يحترم الضعفاء والمفغّلين.
قل لي متى نتوحّد؟
القدس نادتنا، ونادى المسجدُ ** أين الأپاةُ، وأين أين المنجدُ؟
القدس نادتنا، ولم تلق الصدى ** وبها اليهود كما تشاء تعربدُ
قتلِت بها الايمان، وهي رضيعةٌ ** قتلاً ينادي إنه مُتعَمّدُ
ولكم كإيمان تهاوى رُضّعٌ ** جوعاً، وقتلاً، والأسى يتجدّدُ
زُغْبٌ ولم ينطقْ بحرفِ ثغرها ** تصلى وأحقاد اليهود الموقدُ
والثاكلاتُ المرضعاتُ تصعّدت ** أنّا تهُنّ، وكيف لا تتصّعدُ!
هُرِعت تلوب، وضاع منهنّ المدى ** إلا مدىً فيه الرصاص مسدّدُ
صَمّ (الحضاريون) عنها سمعهم ** فكأن كل العالمين تهوّدوا
طوِيَ الجهادُ، وُمزّقتْ راياتُه ** والحاكمون إلى التّرهلِ أخلدوا
ومحبّة الكرسي قد أنستهمو ** أن الإپاء بشعبهم مُتجسّدُ
وبأن أمتنا بشرع جهادنا ** إمّا علا.. فله المقامُ المفَردُ
هي أمة العدل الذي إلاّ به ** لا لن تشاهد من يَعزّ، ويسْيَدُ
ماكان من ذنبِ لها إلاّ الهدى ** حملته للدنيا عساها ترشُدُ
عدلت فجُنّ الظالمون لعدلها ** والعدل لا يرضى به من أفسدوا
والكفر عبر الدهر يرهبه الهدى ** والمهتدون له العدوّ الأوحدُ
والكفر أهلوه جميعاً مِلّةٌ ** مهما تعادوْا هم على قومي يدُ
حتى غدا إفناء قومي مقصداً ** للظالمين ، وماسواه مقصِدُ
فعلام يا أهل التقى لم تلتقوا ** وعلام يا أهل الهدى لم تهتدوا؟!
أتوحد الأحقادُ كلّ خصومه ** ومنابت التوحيد لا تتوحّدُ؟!
الله أرشدهم بمحكم آية ** وأرى بأنهمو أبوْ أن يرشدوا
يسترحمون نظامَ أخزى عالَم ** هو بالظلوم، وللظلوم مشيّدُ
ماكان يوماً بالجديد نظامهم ** مادام فيه من أضلّ يُسوّدُ!
فالظلم عبر الدهر يبقى واحداً ** والكون عبر الدهر منه مهدّدُ
لن تنبتَ الأزهارَ ألفُ قذيفةِ ** والحب في ظل اللظى لا يولدُ
لن ينقذ الإنسانَ من طغيانه ** إلا اليقينُ الخالصُ المتجردُ
القدس نادتنا، وواَ لَهفي لها ** تُسبى ، ويبكي من أساه المسجدُ
لفّ الحريقُ سهولَها، وجبالَها ** فإذا ضحاها مُدْلَهمّ أسودُ
وقذائف التدمير صُبت فوقها ** فإذا بما جمع العفاةُ مُبَدّدُ
دُكت مبانيها، وغُيّبِ أهلُها ** فبها الألوف بما تهدّم توأدُ
لتكاد تهتف (زلزلت زلزالَها) ** والقارعاتُ يهول منها المشهدُ
مِزقاً ترى الأجسادَ تنِكر أهلَها ** قدمٌ هنا، وهناك ما ظُنّتْ يدُ
نثرت مُنتّفةً، ورُمّد بعضُها ** أوّاه للجسدِ الطريّ يُرمّدُ
ويلُ المُشاهِدِ من مَشاهِدَ جمّةٍ ** يُرغي بها حقدُ اليهود، ويُزبِدُ
إني لأُمسكُ رأفةً وتوجعاً ** من ذكر أهوالٍ تقوم وَتقعُدُ
أين الذين بحبها قد تاجروا ** وتجنّدوا، ولها جيوشاً جَنّدوا؟!
أين التقاة، وأين أين جهادهم ** أين الأُولى قد عبّدوا، أو حُمّدوا؟!
أين النصارى الناصرون يسوعَهم ** أوَما لعيسى كان فيها المولُد؟!
أوَ مالهم قد كان رمزَ محبةٍ ** ولبعثه سيكون فيها الموعدُ!!
أو ما عليه بغى اليهود وأجمعوا ** أن يصلبوه، وكلّهم متعمّد!!
أيزيدهم أهل المسيح تناصراً ** وهمو بتعذيب المسيح تفردّوا؟
أيكافؤون على الجرائم بالرضا ** وجميع ما قدكان منهم يُحمدُ؟!
وبرغم مازِدنا النصارى إلْفةً ** صرنا بأسلحة النصارى نُحصَدُ؟!
لم تؤذ منهم مهجةٌ في شرعِنا ** ولكمَ بهم وَصىّ النبيّ محمّد؟!
ياقوم عيسى كيف ينصر من بغى ** عمداً عليه، وكيف كيف يُؤيّد؟!
لكأنّ كلَ المنصفين قد انتهوا ** والمدّعين تديّناً قد هُوّدوا!
أين الحضارة أين زعم دعاتها ** أين الذين بها علينا سُوّدوا؟!
أين الصناعات التي باهْوا بها ** أين ادعاؤهمو أتوْا كي يُسعِدوا؟!
ماكان تصنيع السلاح لِرحمةٍ ** فينا، ولكن كان كي يستعبدوا
أو مَا به ذلّوا الشعوب، ودَمّروا ** أضعاف ما زَعَموا غداً سيُشيّد؟!
تأبى الوحوش الضاريات فعالَهم ** فالوحش لولا الجوعُ لا يتصيّد
وهمو أبادوا الآمنين تجبّراً ** وبغوْا على كلّ الشعوب، وأفسدوا
لتُحِس أن الراسيات تململت ** من ظلمهم، وانهدّ منه الجلمَدُ
لولا سلاحهمو، ولولا دعمُهم ** لرأيت أن الغاصبين تشرّدوا
ورأيتَ هذا الكونَ يحيا آمناً ** هيهات تلقى من به يتنهّدُ!
والكونُ يشهد أنه في شرعنا ** لم يؤذ للإلحاد يوماً مُلحدُ!
المجد فيه لمن يُفيد ويتّقي ** فمن اتّقى فهو الأعزّ الأمجدُ!
وحضارة الطاغوت لم تُعرفْ لها ** قِيمٌ، ففيها المستبدّ يُسوّدُ
ويلَ الضعيف إذا تأوّه من أسىً ** زَعَمَ الطغاةُ بأنه يتوعّد!
لكنما الآمال تعمرُ قلبَه ** وبكل بارقةِ لديه موعدُ
والظلم مهما اشتد يبقى خائفاً ** فهو الشقيّ لخوفه والأنكدُ
مترقبٌ من ألفِ صوبِ أسهماً ** ويُحِسّها في جانبيه ستغمدُ
سَتَكِلّ من حمل السلاح يمينُه ** ويخِرّ وهو المستجير المجهدُ
ولسوف ينتصر الإله لجنده ** من صابروا، وعلى الجهاد توحدوا
القدس نادتنا فأين المنجدُ ** أوَلم يَحِنْ يا قومَنا أن تنهَدوا؟!
القدس إنذارٌ لكل مُوّحِدٍ ** إن لم نُجبْها لن يظل مُوحّدُ!
لم يبق ممّا قد دهاها آمنٌ ** والأپرياء الأعزلون استشهِدوا
أيُجابه الأعداءَ طفلٌ أعزلٌ ** وذوو الجيوش على الأرائك ترقدُ؟!
أيَدُ الصغارِ تصدهم بحجارةِ ** ولأمة الإسلام ماكانت يدُ!!
ونقول: إنا مؤمنون أعزّةٌ ** ولغيرنا الرايات ليست تُعقدُ
وننام والأحلام ملءَ رؤوسنا ** وعدّونا متأهبّ متوعّدُ!
أيُباد أهلونا جهاراً في الضحى ** ويدنّس الأقصى ونحن نزغردُ!
وبكذبة ننسى جرائم حقدهم ** إني كفرت بكل من لا يحقدُ
يا حالمين بسِلْم أعداء الهدى ** هُديَ الأنامُ، ووحدكم لم تهتدوا
من لم يهبّ مجاهداً عن حقّه ** فلسوف يركع للطغاة، ويسجدُ
ولسوف تحقِره بنوه في غدٍ ** ولسوف يلفِظه، ويلعنه الغدُ
يا حاكمون أما كفاكم فرقة ** واحسرتاه لكم إذا لم ترَشدُوا
كل الشعوب تريد منكم وقفةً ** فقفوا كراماً ساعةً، ثم اقعدوا
هي ساعةٌ، لا تحقروها ساعةً ** تكفي إذا ماكان فيكم سيّد
فكّوا قيود الشعب وانطلقوا به ** فإلى متى بأس الشعوب مُسيّدُ؟!
أوَما بسوريّا لكم من عبرةٍ ** شمخت فكان لها العلى والسؤدُد؟!
أوَما بإيران الجهاد ودحرها ** أعتى الطغاة لنيل عزّ مرشدُ؟!
أوَما بحزب الله بشرى عزةِ ** عزّ القريب بها، وسُرّ الأبعدُ؟!
وحماس روحي تفتدي فتيانها ** من روضوا الجلّى ولم يترددوا؟!
القدس نادتنا وما فعلوا بها ** إلا نذيرٌ - لونعي - وتوعدُ
إن لم نجب داعي الجهاد بقدسنا ** فبما حسبناه البناء سنوأدُ
سيظل عصر الخانعين مهانةً ** فهو الأذل بذلهم والأنكدُ
وستهتف الأجيال يوماً بعدهم ** ياليت من خانوا الحمى لم يولدوا
القدس نادتنا فنمنا وانبرى ** طفلٌ لقبضته سيبتسم الغدُ
سيزول من ظلموا برغم عتوّهم ** وحجارة الأطفال سوف تُخلّـدُ
******
|