|
بكيْتُ، وقلبي في الأسى يتقلبُ |
|
فجاء رفيقي مُفزعًا، وهو يَعتبُ |
|
وقال: أتبكي والقضاءُ محتم |
|
وليس لنا من قبضةِ الموتِ مَهرب؟! |
|
فقلتُ: تعالى اللهُ، فالحزنُ ساعرٌ |
|
قويٌّ، عتيٌّ، والفقيدةُ زينبُ |
|
ولو كان فضلُ الراحلين مراثيًا |
|
لجادَ بمرْثاها الحطيمُ، ويثربُ |
|
فلا كلُّ مفقودٍ يُراع لفقْدهِ |
|
ولا كلُّ حيٍّ فائقٌ، ومحبَّبُ |
|
ولا كلُّ من يحيا الحياةَ بحاضرٍ |
|
ولا كل من في القبرِ ماضٍ مغيَّبُ |
|
فإن خلودَ المرْءِ بالعمل الذي |
|
يقودُ مسارَ الخير لا يتهيَّب |
|
أناديك- أمَّ الصابرين- بمهجتي |
|
وكلِّي دعاءٌ ِمْن سناكِ مُطيَّبُ |
|
سلامٌ وريحانٌ وروْحٌ ورحمةٌ |
|
عليكِ، وممدودٌ من الظل طيبُ |
|
فقد عشْتِ بالحق القويم منارةً |
|
تشدُّ إليها كلَّ قلبٍ وتجذبُ |
|
وكنتِ- بحقٍّ- منبعَ الحبِّ والتُّقى |
|
ومدرسةً فيها العطاءُ المذهَّبُ |
|
ودارُكِ كانتْ مثل دار "ابن أرقم |
|
تخرجَ فيها من بناتِكِ أشْهُبُ |
|
فَرُحْنَ- أيا أماهُ- في كلِّ موطنٍ |
|
يربِّين أجيالاً على الحقِّ أُدِّبوا |
|
شبابًا حيِيًّا في شجاعة خالدٍ |
|
له الحقُّ نهجٌ، والشريعةُ مذْهبُ |
|
يفرُّون عند المغريات تعففًا |
|
وحين ينادي الرْوعُ هَبُّوا وأجْلبوا |
|
ومن كان للحقِّ القويم نهوضُهُ |
|
فليس لغير الله يرضى ويغْضبُ |
|
ولا ضيرَ ألا تُنجبي، تلك حكمةٌ |
|
طواها عن الأفهام سرٌّ مُحَّجبُ |
|
فقد عشْتِ أمًا للجميع، وأمَّةً |
|
يباهي بكِ التاريخَ شرقٌ ومغربُ |
|
وكنتِ لسان الحقِّ في أمةٍ غَفَتْ |
|
كأنهمو عن عالم الناس غُيَّبُ |
|
وقلتِ: كتابُ الله فيه شفاؤكمْ |
|
وبالسنة السمحاء نعلو ونغْلبُ |
|
وقلتِ: هو الإسلامُ دينٌ ودولةٌ |
|
وقوميةٌ نعلو بها حين نُنْسبُ |
|
وإن النساء المسلماتِ شقائقٌ |
|
لجنسِ الرجالِ المسلمين وأقْربُ |
|
لهن حقوقٌ قررتها شريعةٌ |
|
من الله حقٌ ناصعٌ ومُطيَّبُ |
|
وقد كنَّ قبل الدين كمًّا مهمَّشًا |
|
كسقْط متاع يُستباحُ ويُسلبُ |
|
بذلك- يا أماه- كنتِ منارةً |
|
فأهْوَى صريعًا جاهلٌ متعصبُ |
|
وأحييْتِ بالعزم الأبِّي ضمائرا |
|
تعاورها بومٌ ضريرٌ وأذْوُبُ |
|
فأغضبتِِ فرعونَ اللعينَ وقد بغَى |
|
لتستسلمي للظلِم أيّانَ يرغبُ |
|
فقلتِ: لغير الله لم أُحنِ جبهتي |
|
وللحقِّ صولاتٌ أعزُّ وأغلَبُ |
|
ولاقيتِ- يا أماه- أبشعَ محنة |
|
يخرُّ لهوْليهْا شبابٌ وشُيَّبُ |
|
صَبرتِ وضجَّ الصبُر من صبرِك الذي |
|
أذل كبارًا في الفجور تقلبوا |
|
وجددتِ ذكرى أمِّ عمارِ التي |
|
تحدَّتْ أبا جهلٍ ومن كان يصحبُ |
|
فكانت- بفضل الله- خيرَ شهيدةٍ |
|
وليس كتحصيل الشهادة مكسبُ |
|
وقلتِ- يا أماه-: حسْبِيَ أننيِ |
|
على درب طه أستقيمُ وأَضْرِبُ |
|
فكان ظلامُ السجنِ نورًا مؤلَّقًا |
|
من الملأ الأعلى يطوف ويُسكبُ |
|
أنيسُك فيه النورُ والفجرُ والضحى |
|
كما يُؤنس الإنسانَ في التيه كوكبُ |
|
وكانت سياطُ الظالمين شهادةً |
|
بأنَّ دعاةَ الحق أقوى وأصلبُ |
|
فكانوا- بفضلِ الله- أُسْدًا رهيبةً |
|
وهل يغلب الأسْدَ الرهيبةَ أرنبُ؟! |
|
وخرَّ من الإعياء جلادُك الذي |
|
تعهد أن يُرْديَك وهو يُعذِّبُ |
|
فقلت: تعالى الله، يهوى معذِّبٌ |
|
ويبقى رفيعَ الرأس حرًّا معذَّبُ!! |
|
سجينةَ حقٍّ لم ينلْ من إبائها |
|
عتاةٌ على قتل العباد تدربوا |
|
وغايتُهم في العيش مُتعةُ ماجنٍ |
|
وعدتُهم في الحكم نابٌ ومخلبُ |
|
وكلهمو في الشر والعارِ ضالعٌ |
|
وللحقَّ نهَّاب عُتلٌ مخرِّبُ |
|
كأن عذاب الأبرياء لديْهمو |
|
ألذُّ من الشهد المذاب وأعذبُ |
|
أيُلقى بقاع السجن مَن عاش مؤمنًا |
|
ويطلق لصٌّ آثمُ القلب مذنبُ؟! |
|
يُجنُّ أميرُ السجن: أنثى ضعيفةٌ |
|
تُذِل رجالي بالثبات وترعبُ؟! |
|
أعيدوا عليها موجةً من سياطكم |
|
وركْلاً وصعقًا علَّها تتذبذبُ |
|
ولم تجْدِ فيها: لا الكلابُ ينُشْنَها |
|
ولا القيدُ والسجان بالسوط يُلهبُ |
|
فيصْرخ: أنثى لا تبالي ببأسنا |
|
فلا السوط جبارٌ ولا الكلبُ مرعبُ |
|
فهان عليها سْوطنا وكلابنا |
|
أذلك سحرٌ؟! بل من السحر أغربُ |
|
إذن لن أُرقَّى، سوف يغضب سيدي |
|
ويا ويلتاهُ إذ يثورُ ويغضبُ |
|
"ويلعنُ خاشي" إذ أفاق على يدي |
|
وقد كان في أُنْسٍ يهيصُ ويشربُ |
|
ولم يدرِ أن الله أقدرُ منهمو |
|
وأن سياطَ الله أقوى وأغلبُ |
|
وأن فصيل المؤمنين يفوقهم |
|
ثباتًا وعدًّا، لا يخاف ويرهبُ |
|
فإن غالطوا قلنا: الجنائزُ بيننا |
|
سَلُوها؛ فحكم الموت ما كان يكذبُ |
|
مئاتُ ألوف في الجنازة حُضَّرٌ |
|
ولم تْدّعهم أمٌ ولم يدعهم أبُ |
|
ولكنه الإسلامُ ألف بينهم |
|
وجَمعهم حبٌّ مكين مقرِّبُ |
|
فإن كنتِ قد غادرتِ دنيا بزيفها |
|
إلى عالمِ الخلْد الذي هو أرحَبُ |
|
ستلقيْن أمَّ المؤمنين خديجةً |
|
وفاطمةَ الزهراءَ فرحى ترحِّبُ |
|
وحفصةَ والخنساءَ والصفوةَ التي |
|
ظللن شموسًا للهدى ليس تغربُ |
|
عليك سلام الله في الخلْد زينبُ |
|
وإن نعيم الله أبقى وأطيبُ |
|
مضيتِ بذكرٍ ليس يُكتب أحرفًا |
|
ولكنه بالنورِ والعطرِ يُكتبُ |